languageFrançais

رسالة من البحر..'نفاياتكم تعود إليكم'!

ذاكرة البحر المريرة.. عندما يتحول البلاستيك إلى أرشيف لطفولتنا!

تداول رواد التواصل الاجتماعي مؤخرا صورا صادمة لنفايات بلاستيكية قذفها البحر على الشواطئ بعد التقلبات الجوية التي شهدتها بلادنا الأسبوع الماضي.. منتجات وعُلب ذات ألوان باهتة وشعارات تجارية اندثرت من الأسواق منذ الثمانينيات والتسعينيات، إلا أنها ظهرت اليوم على الشواطئ بهياكل صلبة لم تنل منها عقود من الملوحة والضغط.

مخلفات بلاستيكية بدت وكأنها كبسولات زمنية خرجت من قاع النسيان، وللوهلة الأولى، قد يبتسم البعض لرؤية علامة تجارية انقرضت منذ 30 عاما.. الكل استحضر ذكريات الطفولة البعيدة، حتى تحولت هذه الصور إلى لحظة "نوستالجيا" وحنين طفولي، لكن خلف هذه المتعة البصرية تكمن حقيقة مفزعة تفيد بأن الأمر ليس مجرد ذكرى عابرة، بل هو دليل مادي على أن البلاستيك "كائن لا يموت".

بضاعتنا رُدّت إلينا ..

وفي هذا الصدد، علق الخبير في البيولوجيا البحرية ياسين رمزي الصغير، رئيس جمعية "TunSea"، خلال مداخلته في برنامج "أحلى صباح" اليوم الاثنين 26 جانفي 2026، بأن هذه الحادثة تمثل رسالة مؤلمة من المحيط. وأكد على الخطورة البالغة لهذه النفايات وتأثيرها المدمر على النظم البيئية البحرية.

فالمتعة البصرية العابرة التي يثيرها ذلك الحنين سرعان ما تخبو أمام الحقيقة العلمية المروعة وهو أن البلاستيك لا يتحلل بيولوجيا بل يتفتت إلى جسيمات دقيقة تبقى قرونا والعثور على عبوة من حقبة زمنية سحيقة هو دليل مادي صارخ على ذلك.

البحر لا ينسى.. 

هذا الاكتشاف يؤكد أن البحر لا ينسى، وهو بمثابة أرشيف شاسع وقاتل، يختزن مخلفاتنا في أعماقه ليعيدها إلينا لاحقا كـ"نفايات عابرة للزمن"، حاملة معها أسرار إفراطنا.

لذا، فإن عودة هذه الشواهد البلاستيكية اليوم ليست مجرد ظاهرة غريبة، بل هي رسالة صريحة وطارئة من الطبيعة وتذكر بثمن الاستهلاك السريع وفاتورته البيئية طويلة الأمد.. فكل قطعة بلاستيكية استخدمها الإنسان لدقائق في الطفولة لا تزال موجودة في مكان ما على هذا الكوكب، تُهدد الكائنات البحرية وتُسمم السلسلة الغذائية التي نقع في قمتها.

رؤية مخلفات عمرها 30 عاما يجب أن تكون جرس إنذار لا مناسبة للحنين فحسب، فهي دعوة ملحة لإعادة التفكير الجذري في علاقتنا مع مادة البلاستيك، ولتبني أنماط استهلاك وإنتاج أكثر استدامة حتى  لا يضطر أبناؤنا وأحفادنا في المستقبل إلى البحث عن ذكريات طفولتهم بين أكوام النفايات الخالدة التي خلفناها وراءنا.

*غادة